ابن أبي الحديد

14

شرح نهج البلاغة

فإن نتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد ، بل هذه الحال في الدنيا مشاهدة ، فإن [ من ] ( 1 ) نهبت داره ، وأخذ أهله وولده وماله ، تكون مصيبته وألمه وتفجعه في الذي فقد بمقدار لذته به ، وحبه له ، وحرصه عليه ، فكل ما كان في الوجود أشهى وألذ ، فهو عند الفقد أدهى وأمر ، ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال للضحاك بن سفيان الكلابي : ألست تؤتى بطعامك وقد قزح وملح ( 2 ) ، ثم تشرب عليه اللبن والماء ! قال : بلى ، قال ، فإلى ماذا يصير ؟ قال ، إلى ما قد علمت يا رسول الله ، قال ، فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم . وروى أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن أنت ضربت مثلا لابن آدم فانظر ما يخرج من ابن آدم ، وإن كان قزحه وملحه إلى ماذا صار . وقال الحسن رحمه الله قد رأيتهم يطيبونه بالطيب والأفاويه ( 3 ) ثم يرمونه حيث رأيتم ، قال الله عز وجل : ( فلينظر الانسان إلى طعامه ) ( 4 ) ، قال ابن عباس إلى رجيعة . وقال رجل لابن عمر : إني أريد أن أسألك واستحيى ، فقال : لا تستحي وسل ، قال : إذا قضى أحدنا حاجته فقام ، هل ينظر إلى ذلك منه ؟ فقال : نعم ، إن الملك يقول له انظر هذا ما بخلت به ، انظر إلى ماذا صار !

--> ( 1 ) تكملة من د . ( 2 ) يقال : قزح القدر كمنع ، جعل فيها بزر البصل والتابل . ( 3 ) الأفاوه : جمع أفواه ، وهي التوابل . ( 4 ) سورة عبس 24 .